السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

375

مفاتيح الأصول

إن فلانا ثقة دل على أمور منها أنه رجل مأمون الكذب صدوق معتمد عليه فيما يقوله والحجّة في هذا أمور الأول تصريح بعض اللَّغويين بما يقتضي ذلك قال في المصباح المنير وثق الشيء بالضم وثاقة قوي وثبت فهو وثيق ثابت محكم وأوثقته جعلته وثيقا ووثقت به أثق بكسرهما ثقة ووثوقا ائتمنته وهو وهي وهم ثقة لأنه مصدر وقد يجمع في الذكور والإناث فيقال ثقات كما قيل عدات وقال في المشارق وثق به كورث ثقة وموثقا ائتمنه الثاني أن ذلك مفهوم عرفا ومتبادر جدا الثالث لا يصح سلبه عمن اتصف بذلك الرّابع أنه يكذب من قال جائني ثقة ولم يكن متصفا بما ذكر وبالجملة لا إشكال ولا شبهة في أن لفظ الثقة يدل على ما ذكر عند أهل اللَّغة والعرف لا يقال كون اللَّفظ المزبور دالا على ما ذكر لغة وعرفا لا يستلزم دلالته عليه عند علماء الرجال المعتبر قولهم في هذا المجال لجواز كونه منقولا إلى معنى آخر غير ما ذكر لأنا نقول الاستلزام ظاهر والاحتمال مدفوع بأصالة عدم النقل وقد يناقش فيه بمعارضته بغلبة تحقق الاصطلاح والنقل لأرباب الفنون ومن جملتهم أهل الرجال وبتكرر تعبيرهم باللفظ المزبور يظهر أنه من الألفاظ المنقولة وهذا أقوى لأنه كالخاص بالنسبة إلى الأصل المزبور وعليه يشكل الحكم بما ذكر بمجرّد قول العدل من أهل الرجال إن فلانا ثقة لأن المعنى المنقول إليه غير معلوم ولا متعين لأنهم لم يعرّفوه ولم يبينوه وقد يجاب أولا بأنّ الغلبة المزبورة معارضة بعدم تصريح أحد بصيرورة اللفظ المزبور منقولا إلى خلاف معناه اللَّغوي والعادة تقتضي بأن ما شأنه ذلك يتحقق التّصريح به وثانيا بأنه لو سلم النقل فالأصل أن يكون منقولا إلى ما هو أقرب إلى المعنى اللَّغوي وأشد علاقة لأن الغالب في المنقولات مسبوقيتها بالمجاز وحصولها بغلبة الاستعمال والغالب في المجاز اعتبار الأقرب إلى المعنى الحقيقي وليس الأقرب إلى المعنى الحقيقي هنا إلا ما يشتمل على المعنى اللغوي كما في كثير من المنقولات وفيه نظر لجواز أن يكون لفظ الثقة موضوعا لمن كان ثقة في الزّمان الماضي أو لمن لم يتعمد الكذب وإن كان كثير السّهو فيه أو لمن تصدى لتحصيل صفة الوثاقة وكلّ هذه الأمور يناسب المعنى اللغوي قطعا ولا يستلزم الوثاقة بالمعنى المتقدم والإنصاف أن دلالة لفظ الثقة في كلمات علماء الرجال على ما ذكر مما لا شبهة فيه ولا شك يعتريه كما لا شكّ في أن ليس مرادهم كونه ثقة في زمان ما بل المراد أنه ثقة في جميع الأزمان لأنه المفهوم عرفا ولأنه لو أريد الأول للزم الإجمال بل خلوّ الكلام عن الفائدة وهو باطل ولأن التتبع في كلامهم يكشف عن إرادة ذلك نعم قد يستشكل في دلالة ذلك على ثبوت الوثاقة في أوائل البلوغ ويلزم منه طرح الخبر المحتمل صدوره عنه في أوائل البلوغ وقد يجاب بأن الأصل تأخر الرواية إلى زمان ثبوت الوثاقة لأن الأصل تأخر الحادث فتأمل وبأن الظاهر صدور الرواية في حال الوثاقة فتأمل وبأنه لم يعهد من أحد من الأصحاب الاستشكال في سند رواية عن الثقة باحتمال ورودها قبل ثبوت الوثاقة فتأمل وبأنه لو كان ذلك الاحتمال قادحا للزم طرح أكثر روايات الثقات وهو باطل فتأمل ومنها أنه رجل عادل مجنب عن المعاصي مقبول الشهادة والحجة في هذا وجوه الأول أنه المتبادر عند إطلاق لفظ الثقة فيكون حقيقة فيه لأن التبادر أمارة الحقيقة الثاني أنه يصحّ أن يقال لمن لم يكن عادلا إنه ليس بثقة وإن كان صدوقا ولذا يكذب من قال رأيت الثقة وصليت خلف الثقة وشهد به الثقة إذا ظهر فسق من أولئك الثالث أنّه لو لم يكن لفظ الثقة موضوعا للعادل لما قبح أن يقال فلان ثقة ويشرب الخمر ويزني ولصح أن يستفهم بعد قوله فلان ثقة عن ارتكابه الفجور بأن يقال هل يشرب الخمر مثلا والتاليان باطلان وبالجملة لا ينبغي الريب في أن لفظ الثقة بالخصوص موضوع في زماننا لمن اتصف بالعدالة لا يقال المعنى المذكور مخالف للمعنى اللغوي وهو مطلق الأمانة فصيرورته حقيقة في هذا المعنى يستلزم النقل والأصل عدمه لأنا نقول أصالة عدم النقل لا تعارض الوجوه الدالة على النقل نعم يمكن أن يقال غاية ما يستفاد من تلك الوجوه كون لفظ الثقة حقيقة في المعنى المزبور في هذه الأزمنة ولا يستلزم أن يكون كذلك في الأزمنة السابقة كزمان الشيخ والنجاشي والعلامة بل مقتضى أصالة تأخر الحادث الحكم بموافقة زمانهم لزمان اللَّغة وقد يجاب بأن الظاهر من كلام الشهيد الثاني أن استعمال لفظ الثقة في الزمان السابق في العدل أغلب فإنه قال في الدّراية في مقام ذكر ألفاظ التّعديل هو عدل أو ثقة وهذه اللفظة وإن كانت مستعملة في أبواب الفقه أعم من العدالة لكنها هنا لم يستعمل إلا بمعنى العدل بل الأغلب استعمالها خاصّة وقد يتفق في بعض الرواة أن يكرر في تزكيتهم لفظ الثقة وهو يدل على زيادة المدح انتهى فاللازم حينئذ الحكم بثبوت النقل يومئذ وإلا لزم كثرة المجاز والأصل عدمها وهي أولى من أصالة تأخر الحادث هذا ويستفاد من ذلك أن المعنى المذكور حقيقة شرعيّة فإنه قال والظاهر أن المراد بالثقة العدل لأنه الثقة شرعا انتهى ويظهر من والدي أنه معنى مصطلح عليه بين المتشرعة ثم لو سلمنا أن لفظ الثقة ليس موضوعا في اصطلاح علماء الرجال لذلك فنقول نحكم أيضا بعدالة من صرحوا بأنه ثقة إذا لم يقم على فسقه دليل وذلك إما لأن الغالب استعماله في العدل فالإطلاق ينصرف إليه أو لأنه إذا لم يتعرضوا لفسقه يظهر عدمه لأنه يبعد عدم اطلاعهم على فسقه وكذلك يبعد عدم تصريحهم بفسقه مع اطلاعهم عليه فتأمل أو لأن الغالب كون الصادق والمتحرز عن الكذب عادلا فيلحق الفرد المشكوك فيه بالغالب عملا بالاستقراء ولا يشترط في هذا كثرة استعمال اللفظ في العدل أو لأن المستفاد من طريقة متأخري الأصحاب الحكم بعدالة الراوي بمجرّد قولهم فلان